أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
270
التوحيد
بحق العبارة بما لا سبيل لنا إلى حقيقة العلم به ، وعلى ذلك عامة الأمور بين الخلق محمولة على ما يحتمله وسعهم من المعارف وإن كانت لها حقائق غيرها . مع ما كان في الذي بيّنا دلالة ذلك . وكذلك الأمر المتوارث في التفصيل بين الكفرة وبين المؤمنين بالإعلام وأنواع . . . أو المخالطة مع الأهل وإن لم يكن تلك بكفر ولا إسلام ، فمثله أمر العبارة باللسان . وعلى هذا ما بيّنا من الآيات في العلم بالإيمان وأمر القلوب فيما جاء به النصوص ، فمثله الذي نحن فيه ، واللّه أعلم . وعلى ذلك أمر المكره على الكفر ، وقول نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " إنما يعبر عما في قلبه لسانه " « 1 » ، وعلى ما ذكرت أمر الأملاك والشهادات وأنواع المذاهب في الأديان بما علمه ذلك الأمور الظاهرة ، فمثله حكم القبول ، وقد تجد اللّه أمر بأن يقاتل ليعطوا الجزية وأن يجاروا إلى أن يسمعوا كلام اللّه ، وفي ذلك الترك بين المسلمين يتعيشون لينظروا في أمورهم ويتدبروا في أحكامهم فيعلموا بذلك حقائقها ، وإن كان لا يحتمل تأسيسها على ما فيها من تأليف القلوب ودفع التظالم وأنواع الفساد إلا باللّه ليطمئن قلوبهم بالإيمان ويحتمل أنفسهم الإجابة إلى الإسلام ، فمثله في الدين أظهروا الإيمان باللّه وأجابوا المؤمنين إلى ما عندهم من الأحكام ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم يقال لهم : فإن كان ما يقبل منهم من الإيمان في ظواهر الأحكام باللسان دليلا على أنه خاصة فلما حرموا به الغفران والموعود على الإيمان من النعيم الدائم والثواب الجزيل . ثم بما لا يجوز لهم عبادة في الحقيقة ولا ينالون بها فضيلة عند اللّه دليل على أنهم ليسوا بمؤمنين ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم يقال لهم : قال اللّه عز وجل : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [ التوبة : 123 ] ، وقال : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] ، وقال : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] ، ويقاتل على ما يظهرون من الشرك والكفر دون ما يضمرون ، ولم يجب بهذا أن لا يكون الشرك والكفر بالقلوب ، فما يبعد أن يؤمر بالقتال حتى يؤمنوا ثم يمنع عن القتال إذا أظهروا الإيمان باللسان وإن كان حقيقة موضع إيمان القلب ؛ إذ لا يمنع هذا كونه فيه ، واللّه الموفق . ثم يقال لهم : في الخبر " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه " ، وقيل : حتى يشهدوا ، فيكون الشهادتين سبب منع القتل لا حقيقة الإيمان ، واللّه الموفق . وأما العقل فلأنه دين ، والأديان تعقد ، وما به اعتقادات الأديان القلوب ، وكذلك
--> ( 1 ) أورده ابن سلام الهروي ، في غريب الحديث [ 1 / 163 ] والجزري في غريب الأثر ، [ 3 / 201 ] . ولفظه : « فإنما كان يعرب عما في قلبه لسانه » .